ابن عجيبة

415

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وظهور براهينه ، عاتبهم على تقدير أن لو صار منهم انقلاب لو مات صلّى اللّه عليه وسلم أو قتل ، أو على ما صدر من بعض المنافقين وهم ساكتون . قال أصحاب المغازي : خرج النبي صلّى اللّه عليه وسلم حتى نزل بالشعب من أحد ، في سبعمائة رجل ، وأمّر عبد اللّه بن جبير على الرماة ، وهم خمسون رجلا ، وقال : انضحوا عنا بالنبل ، لا يأتونا من خلفنا ، لا تبرحوا مكانكم ؛ كانت لنا أو علينا ، فإنا لن نزال غالبين ما ثبتّم مكانكم ، فجاءت قريش ، وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد ، وعلى ميسرتهم عكرمة ، ومعهم النساء . ثم انتشب القتال فقال عليه الصلاة والسلام : « من يأخذ هذا السيف بحقه » ؟ فجاء رجال فمنعهم ، حتى جاء أبو دجانة ، فقال : وما حقه يا رسول اللّه ؟ قال : « تضرب به العدو حتى ينحنى » ، وكان رجلا شجاعا يختال عند الحرب ، فأخذه واعتم بعمامة حمراء ، وجعل يتبختر بين الصفين ، فقال عليه الصلاة والسلام : « إنها لمشية يبغضها اللّه إلّا في هذا الموضع » . ثم حمل النبي صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه على المشركين فهزموهم ، قال الزبير : ( فرأيت هندا وصواحبها هاربات مصعدات في الجبل ) ، فلما نظر الرماة إلى القوم قد انكشفوا ، قالوا : الغنيمة الغنيمة فقال لهم بعضهم : لا تتركوا أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم فلم يلتفتوا ، وانطلق عامتهم ، فلما رأى خالد قلة الرماة ، صاح في خيله من المشركين ، ثم حمل على أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم من خلفهم ، وقتل عبد اللّه بن جبير ، واختلط الناس ، فقتل بعضهم بعضا ، ورمى عبد اللّه بن قمئة الحارثي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بحجر ، فكسر أنفه ورباعيته ، وشجّه في وجهه ، وكسر البيضة « 1 » على رأسه ، فذبّ عنه مصعب بن عمير ، وكان صاحب الراية ، فقتله ابن قمئة وهو يرى أنه قتل النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فرجع إلى قومه ، وقال : قد قتلت محمدا ، وصرخ صارخ : ألا إنّ محمدا قد مات . وقيل : إنه الشيطان ، فانكفأ الناس ، وجعل الرسول - عليه الصلاة والسلام - يدعو : « إلىّ عباد اللّه » ، فانحاز إليه ثلاثون من الصحابة ، وضموه حتى كشفوا عنه المشركين ، وأصيبت يد طلحة بن عبيد اللّه فيبست ، حين وقى بها النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وأصيبت عين قتادة بن النعمان ، حتى وقعت على وجنتيه ، فردها النبي صلّى اللّه عليه وسلم مكانها ، فعادت أحسن مما كانت . وفشا في الناس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مات - فقال بعض المسلمين : ليت ابن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان . وقال بعض المنافقين : لو كان نبيا ما قتل ، ارجعوا إلى دينكم الأول . فقال أنس بن النضر - عمّ أنس بن مالك : ( إن كان قد قتل محمد فإنّ رب محمد لا يموت ، وما تصنعون بالحياة بعده ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه ، حتى تموتوا على ما مات عليه ) . ثم قال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المسلمين - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعنى الكفار - ، ثم شدّ سيفه وقاتل حتى قتل ، رحمة اللّه عليه .

--> ( 1 ) البيضة : الخوذة .